عبد الرحمن بدوي
129
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
الماء الذي هو دون الهواء . ثم تكلم في المجسّم المختلف فنسبه إلى الأرض الذي هو قعر الطبيعة . - وقد تكلم اسقولبيوس في خطبته فقال إن النفس مربوطة في الحيوان بالمثلثات ، يعنى أنه أقرب إلى البسيط من غيره من ذوى الأقطار والمجسّم ، فيكون إذن أولى بأن يكون محلّا للنفس . فكتابه كله ينبئ عن الشئ أنه من أصل واحد ، وإنما يعتبره من أجل التركيب . قال أفلاطون : والأقطار والزوايا من التركيب . فما قلّ فيه فهو أقرب إلى البسيط . قال أحمد : لما كانت الأقطار من التركيب ، كان كل جرم أقل أقطارا أقرب إلى البسيط . وتوجب هذه القضيّة أن المثلث أقرب إلى البسيط أيضا من المخمّس والمسدّس [ 4 ب ] وذوى الأقطار الكثيرة . فتفهم ذلك . قال أفلاطون : فأما المدوّر فبسيط الطبيعة . قال أحمد : يقول إن الجرم المدوّر هو بسيط الطبيعة ، لأنه أقل الأجرام تفاوتا وأكثره تشابها حتى لقد نسبه بعض الأوائل إلى البسيط الذي يقول أفلاطون إنه الشئ المعقول ، لا المحسوس . فتفقد إشارات الفيلسوف وكلامه واعلم أنه إذا قال : المثلث والمربع في الأجرام ، فإنه ليس يعنى به المحسوس فقط ، بل الذي لا يحس لقلّته أو لطافته ، لأن الهواء الذي خصّ بالشكل المثلث ليس يحس فيه ذلك للطافته ودقة تركيبه . وكذلك في سائر الأجرام : منه ما ليس يتبين فيه ما قد خصّ به من الشكل الذي قد أخبر به الفيلسوف . وإنما يتفهم كلامي هذا من قد تدرّب في قوانين المنطقيين وعرف مذاهب الحكماء وألفاظ الفيلسوفين . فأما من كان خلوا من ذلك ، فإنه لا ينبغي له الاشتغال بالنظر فيه ، فإنه لا ينتج له إلا الضجر به لبعده عن معرفته . قال أفلاطون : واجعل هذه الأشكال مثالا ، فردّ كل شئ إلى الذي يستحيل إليه حتى يرد الشئ بسيطا بالمراقى . قال أحمد : ما أحسن ما قاله الفيلسوف وأبين صواب قوله ! لأنه يأمرك أن تجعل هذه الأشكال ، يعنى به أشكال أقليدس ، مثالا ، فتنظر إلى ما يرد المثلث إذا أنت رددته إلى الطبيعة ، لأنه إذا كان كذلك فأنت تردّه إلى ما تزاد فيه الأقطار . وإذا رددته إلى